موقع اليمن نت الإخباريأخبار اليمن · آخر الأخبار اليمنية والعربية والدولية

حين "سلطنوا علي ناصر".. ملحمة آنس وريمة في مواجهة استبداد الإمامةدَرَجت قراءات تاريخية اختزالية على تصوير الصراع بين المجتمع اليمني ومنظومة الحكم الإم…

نُشر في ١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ ص

حين "سلطنوا علي ناصر".. ملحمة آنس وريمة في مواجهة استبداد الإمامةدَرَجت قراءات تاريخية اختزالية على تصوير الصراع بين المجتمع اليمني ومنظومة الحكم الإمامي وكأنه صراع طائفي أو مناطقي، ينقسم فيه اليمن بين جغرافيا زيدية يُروّج لها على أنها حاضنة طبيعية للإمامة، ومناطق سنية تتعرض وحدها لتعسفات الحكم وجوره. لكن وقائع التاريخ تكشف أن المجتمع اليمني لم يخضع للنفوذ رغبةً ولا طواعية، ولم تكن مناطق شمال الشمال كتلة مذهبية متجانسة؛ فقد كانت كلها مناطق سنية قبل القرن الرابع الهجري، وحاولت السلالية الطارئة طمس هوية المناطق التي استوطنتها، واستثمرت حالة الصراعات القبلية والفراغ السياسي الناجم عن ضعف الخلافة العباسية واستحواذ البويهيين على مقاليدها.واستكمالًا لحديثنا في المقالات السابقة عن الثورات اليمنية في القرن الحادي عشر الهجري نتوقف في هذه السطور أمام ثورة عام 1052هـ حين اندلع التمرد على عامل الإمامة في بلاد آنس، ثم امتد إلى جبل الشرق وريمة وكُسمة؛ وتجاوزت المواجهة حدود الاعتراض على جور الولاة إلى طمس الرسوم الإمامية، ومنع الجباية، و "سلطنة علي ناصر" . وقد واجهت السلطة هذا التمرد بحملات عسكرية انتهت بالقتل والنهب واستعادة الحصون التي تحصن فيها الثائرون.وقد حفظ المؤرخان يحيى بن الحسين بن القاسم في كتابه "بهجة الزمن"، وابن الوزير في "طبق الحلوى" تفاصيل هذه الوقائع، بما فيها دوافع التمرد، واتساع نطاقه، ومواجهة الإمامة له. وتتيح لنا روايتاهما قراءة الأحداث في سياقها التاريخي واستجلاء دلالاتها السياسية والاجتماعية بعيدًا عن التصنيفات المذهبية والجغرافية الجاهزة. كما تكشف الوقائع عن مفارقتين مترابطتين: قدرة المظالم المشتركة على توحيد جماعات من مناطق متباينة، وعجز الانتفاضات المحلية -حين تفتقر إلى التنسيق الجامع - عن تحويل مقاومتها إلى قوة قادرة على تغيير موازين الحكم.من آنس إلى ريمة: اللجوء إلى الثورة بعد اليأس من المطالبة السلميةبدأت الأحداث بخلاف الشيخ علي بن ناصر بن راجح الآنسي مع عامل الإمامة في ضوران، محمد بن الأكوع. ولم تكن شكوى ابن راجح متعلقة بخلاف فقهي أو تنافس مذهبي؛ فقد تمحورت حول الحق والكرامة، والتصدي لما تعرض له هو وأتباعه من إهانة ومصادرة للحقوق وتقويض لمكانة الزعامات المحلية. ومع اتساع رقعة الخلاف، انضمت إليه جماعات من أهل جبل الشرق، ومنهم بنو الرَّوِيَّة وسكان الآكام المحيطة، كما التحق بهم أبناء ريمة وكُشمة.وكما هو واقع الحال في سائر الثورات اليمنية التي تبدأ بالإنكار السلمي للمظالم وطلب الإنصاف مع مراعاة سلطة الأمر الواقع، تدرجت ثورة آنس وريمة من المطالبة بإقالة الولاة ومحاسبتهم، وصولًا إلى المواجهة الشاملة حين تجافى الإمام عن مطالب الناس.ويُسجل ابن الوزير طبيعة هذا السياق في «طبق الحلوى» قائلًا:«وفيها نجم خلاف الشيخ علي بن ناصر بن راجح الآنسي بعد عوده من حضرة الإمام، وانضاف إليه جماعات من أهل جبل الشرق، وهي الرويّة وما والاهم من تلك الأكام، مثل بعض أطراف ريمة وكسمة». - سبق أن وضحنا في المقالات السابقة أن كلمة "خلاف" في هذه السياقات تستخدم بمعنى الثورة- .ويؤكد يحيى بن الحسين في «بهجة الزمن» تدرج الثوار في مطالبهم ناقلًا عن قائد الثورة الآنسي قوله:«أما الإمام فلا نخالفه، ولا نحاربه، وإنما خلافنا على ولاتنا وعمالنا ...، فإنهم جاروا علينا، وقطعوا أرزاقنا، ومحقوا رئاستنا، وأهانونا ".فالثورة إذًا ثورة كرامة ومطالب حقوقية لا صلة لها بتمايزات مناطقية أو مذهبية، والمؤرخان يوثقان بوضوح اشتراك أبناء مناطق محسوبة على المذهبين الزيدي والشافعي في خندق واحد دفاعًا عن العدالة.وهنا تتبدد إحدى أكثر الصور النمطية رسوخًا في قراءة تاريخ الإمامة: الزعم بأن الانتماء المذهبي كان كافيًا لضمان ولاء السكان للسلطة. فلو صح ذلك لما امتدت حركة التمرد من آنس إلى ريمة وكُسمة، ولما رأت الجماعات المختلفة في مقارعة عمال الإمام مصلحة وجودية جامعة.«فسلطنوا علي ناصر»: من الاحتجاج إلى إقامة سلطة بديلةعوضًا عن استجابة الإمام لمطالب الأهالي، بادر إلى تجهيز حملة عسكرية لقمع الحراك، مما دفع سقف الثورة إلى التصاعد من الاحتجاج على العامل إلى طمس الرسوم الإمامية ومنع ما عُرف بـ"عيّنة الدولة" (وهي المؤن والجبايات الإجبارية المفروضة لمصلحة عساكر المركز).والأكثر دلالة في المسار السياسي هو اتجاه القبائل إلى تنصيب علي ناصر في موقع "السلطنة"، في خطوة تحمل دلالة سياسية واعية تتجاوز المطالبة بتبديل موظف محلي.ويصف ابن الوزير هذا التحول قائلًا:"وتبادروا إلى طمس الرسوم الإمامية، على سبيل الفور، فسلطنوا علي ناصر، وأشرعوا الأسنة والبواتر، ومنعوا عيّنة الدولة واشتدت منهم الصّولة".كما يصف يحيى بن الحسين زخم الثورة بقوله:«وصالت القبائل صولة عظيمة، وطلبوا ولاة غير ولاتهم».