أثارت اهتمامي الأخبار التي تناقلتها بعض وسائل التواصل الاجتماعي والصحف المحلية في عدد من الدول العربية، بشأن إدراج أسماء أساتذة وباحثين عرب ضمن قائمة…
أثارت اهتمامي الأخبار التي تناقلتها بعض وسائل التواصل الاجتماعي والصحف المحلية في عدد من الدول العربية، بشأن إدراج أسماء أساتذة وباحثين عرب ضمن قائمة (أفضل 2% من العلماء في العالم). وقد قدّمت بعض التغطيات الإعلامية هذه القائمة باعتبارها تصنيفًا علميًا يصدر بالتعاون بين جامعة ستانفورد الأمريكية العريقة ودار النشر الأكاديمية إلسيفير. شعرت في البداية- بصفتي أكاديميًا عربياً - بالسعادة لهذه الأخبار وما تعنيه من حضورٍ عربيً متزايد في الإنتاج العلمي العالمي. ولكن نسبة للغياب شبه الكامل للاهتمام بهذه القائمة في الجامعات الأمريكية دفعني إلى التحقق- قبل التسليم بصحتها- خاصة عندما يتعلق الأمر بتصنيفات يُستند إليها في تقييم الجامعات والباحثين، أو تُستخدم لإبراز المكانة العلمية للمؤسسات الأكاديمية. لذلك قررت التحقق بنفسي من مدى صحة الادعاء بأن جامعة ستانفورد تقف وراء هذه القائمة أو تشارك رسميًا في إصدارها.وللأسف الشديد لم أجد -من خلال زيارة سريعة إلى موقع جامعة ستانفورد الإلكتروني - ما يؤكد أن هذه الجامعة العالمية العريقة تصدر قائمة (أفضل 2% من العلماء في العالم) أو تتبناها رسميًا. وقد أثار ذلك لدي تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين الجامعة والقائمة التي يجري تداولها على نطاق واسع في عدد من الدول العربية ودول العالم الثالث. ومن المفارقات الغريبة أنني وجدت أن الموقع الإلكتروني لجامعة ستانفورد يسلط الضوء -هذه الأيام وبكل فخرٍ واعتزاز- على إنجازات علمية بارزة لعلماء ارتبطوا بها ونالوا جوائز نوبل في مجالي الطب والاقتصاد. وحقيق على جامعة ستانفورد أن تفخر بمثل هؤلاء العلماء وهي الجامعة العريقة حيث نال العشرات من علمائها وخريجيها جوائز نوبل في مجالات علمية مختلفة مما جعلها ترتقي مرتبة ثالث جامعة في العالم وفق تقييم بعض المؤسسات البحثية. وحرصاً على التدقيق العلمي في هذه المسألة، تواصلت كتابيًا مع الجهة المسؤولة عن الإعلام في جامعة ستانفورد، وطرحت أسئلة محددة بشأن ما إذا كانت الجامعة تصدر قائمة «أفضل 2% من العلماء في العالم»، أو تشارك في إعداد بياناتها، أو تؤيدها رسميًا. وجاءني الرد سريعاً بأن جامعة ستانفورد لا تصدر هذه القائمة، ولا تشارك أو تساهم في إعدادها. وبناءً على هذا الرد الحاسم، فإن وصف القائمة بأنها صادرة عن جامعة ستانفورد، أو بأنها تصنيف تتبناه الجامعة رسميًا، يصبح في الحقيقة وصفاً يجانبه الصواب.القيمة العلمية لقائمة (أفضل 2% من العلماء)ومن باب التدقيق يجب علينا أيضا ضرورة التمييز بين عدم مشاركة جامعة ستانفورد أو إصدارها للقائمة، وبين الحكم على القيمة العلمية للمنهجية التي تستند إليها هذه القائمة - فهما في اعتقادي الخاص مسألتان مختلفتان تستحق كل منهما تناولاً مستقلًا. ترتبط قائمة (أفضل 2% من العلماء) بإسهام علمي أعدّه باحثون من بينهم جون إيوانيديس- الأستاذ في جامعة ستانفورد- معتمدين على مؤشرات لقياس الاستشهادات بالأبحاث العلمية لصالح دار النشر «إلسيفير». ولا يعني إطلاقاً وجود اسم جون إيوانيديس في تصميم منهجية هذه القائمة أن جامعة ستانفورد تقف من ورائها او تشارك في إعدادها.تتضمن منهجية قائمة (أفضل 2% من العلماء) مؤشرات عدد الاستشهادات بالأبحاث، وبعض المقاييس الهادفة إلى تقدير التأثير العلمي للباحث وفق البيانات المعتمدة في الدراسة. ولكن هل تكفي مؤشرات الاستشهادات لتكون معيارا علميا دقيقا نحدد من خلاله من هم أفضل العلماء في العالم؟ يعلم العاملون في الحقل الجامعي بأنه لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب على نحوٍ مطلق. وعلى الرغم من أن مؤشرات الاستشهادات قد تكون مفيدة في قياس جانب من التأثير العلمي، لكنها لا تمثّل وحدها- بأي حال من الأحوال-حكمًا شاملًا على جودته أو أهميته للمجتمع العلمي المتعلق به. كما أن الاستشهاد نفسه في بعض الأحيان لا يدل دوماً على جودة البحث إذ قد يستشهد الباحثون بدراسة معينة -على سبيل المثال- للاعتراض على منهجيتها. وكما لا يفوت على العاملين في الحقل الجامعي الاختلافات الطبيعية في الإنتاج العلمي من مجال علمي إلى آخر حسب منهجيات كل مجال في تقييم جودة وأصالة الإسهام البحثي في أوساط مجتمعهم العلمي.