المليشيات ليست ظاهرة طارئة في تاريخ الصراع الإنساني، ولكنها بنية تحاول أن تكون موازية للنظام، تنشأ حين تضعف سياسات الدولة، وتتمدد حين تغيب، وعندما تتر…
المليشيات ليست ظاهرة طارئة في تاريخ الصراع الإنساني، ولكنها بنية تحاول أن تكون موازية للنظام، تنشأ حين تضعف سياسات الدولة، وتتمدد حين تغيب، وعندما تتراجع الدولة خطوة، تتقدم المليشيات خطوتين: خطوة تملأ بها الفراغ بادعاء الحماية، وخطوة تفرغ بها الدولة من مضمونها باسم التمثيل. ولذلك فإن فهمها لا يكون بوصف سلاحها، بل بتحليل منطقها، ونهجها المبني على ثقافة الفيد والإستغلال.تعود كلمة المليشيات في أصلها اللاتيني إلى الجذر "ميليس" بمعنى الجندي، قبل أن تنتقل إلى اللغات الأوروبية الحديثة للدلالة على قوة مسلحة غير نظامية، تنهض من خارج الجيش. ويبدو المفهوم الاصطلاحي اليوم أكثر دقة؛ فهو يصفها بالتشكيل المسلح الذي يفتقر إلى الشرعية الدستورية الجامعة، ويقوم على الولاء الضيق بدل الولاء الوطني.أما نشأتها فلا ترتبط بفكر وطني أو عقيدة عسكرية، بل بفراغ سياسي تخلقه أو تساعد على خلقه في الدولة أو في أجزاء منها بهدف عرقلة الدولة عن أداء واجباتها السيادية. ذلك لأن المليشيات بطبيعتها انتهازية، تتغذى على ثغرات الأنظمة، وتستثمر هشاشتها، وتستغل ما يترتب عليها من فوضى. وعندما تتعثر الدولة في أداء مهامها، تبرز فوراً كجماعات ترفع شعار حماية طائفة أو قبيلة أو فكرة، متخذة من هذا الادعاء غطاءً لمشروعها.فهي أول ما تبدأ تكون أشبه بهيكل دفاعي محدود، يوحي بالحماية، لكنها سرعان ما تتحول إلى تكتل سلطوي يدعي تمثيل الدولة شكلاً، بينما يناقضها مضموناً وجوهراً. وما إن تتمكن من مفاصل القوة، حتى تقوم بأفراغ الدولة من محتواها، والشروع في تفكيك مؤسساتها من الداخل؛ فتفرض الجبايات وتضاعف الضرائب، وتنشئ السجون والمعتقلات، وتعبث بالمنظومة العدلية، وتدير اقتصاداً موازياً قائماً على النهب، وتسخر كل الطاقات والإمكانيات لتلميع الطائفة أو الفئة التي تنتمي إليها، على حساب الوطن وقضاياه الجوهرية والحساسة.لذلك فإن المفهوم القانوني للمليشيات يركز على عدة سمات؛ غياب التسلسل الشرعي للقيادة، وغياب الخضوع الكامل لدستور الدولة وقوانينها والقانون الدولي، وغياب القدرة على تمثيل عموم المواطنين. وبهذا المعنى، فإن المليشيات تعتبر نقيض للدولة، حتى وإن رفعت علمها وتبنت أهدافها.وتاريخياً، مرت المليشيات بتحولات بنيوية عميقة. ففي العصور القديمة كانت امتداداً للنظام الإقطاعي، حيث يقاتل الفلاحون إلى جانب سيدهم. ثم تحولت في عصر الثورات إلى أداة تعبئة شعبية، كما في تجارب التحرر الوطني الكثيرة. ولعل التطور الأخطر هو الذي حصل في العصور الحديثة، حين تحولت من قوة مؤقتة إلى تكتلات ضخمة. ولم تعد مجر مقاتلين في موسم الحرب، بل أصبحت تمتلك اقتصاد جبايات، وإعلاماً موجهاً، وأجهزة أمنية، وعلاقات واسعة.لقد ساعد على هذا التطور عاملان؛ أولهما العولمة الرخوة، التي جعلت الأسلحة الخفيفة والثقيلة والمسيرات في متناول جماعات متناثرة هنا وهناك، وثانيهما توظيف بعض الدول للمليشيات كأذرع غير مباشرة، تحقق لها النفوذ دون تحمل كلفة الحرب المباشرة. وهنا انتقلت المليشيات من كونها ظاهرة داخلية إلى أداة إقليمية عابرة للحدود، كما يحصل في اليمن، ولبنان، والعراق، وغيرها.ومن المهم القول بأن الفارق بين المليشيات والجيش النظامي ليس في الزي أو السلاح أو التوجيه والتوجه، بل في العقيدة والمرجعية والغاية. فالجيش النظامي مؤسسة دستورية، ولاؤه للوطن، وعقيدته حماية مكتسباته، وتخضع عملياته لقانون عسكري واضح، ولرقابة برلمانية وقضائية. وبالتالي فهو يمثل فكرة السيادة. أما المليشيات فهي كيان فئوي مُغلق، ولاؤها لزعيم أو سلالة أو مذهب، وعقيدتها حماية الجماعة على حساب الوطن، وتدار أوامرها خارج القانون، وبلا رقابة. وهي تجسد متلازمة "الإحتكار" و "الإحتقار" المبنية على استغلال الفرصة والزمن.وتظهر اثار ذلك على السلوك العام؛ فالدولة ومعها الجيش النظامي تقع على عاتقهما مسؤولية تشييد وحماية مشاريع البناء والتنمية، بينما تبني المليشيات علاقاتها على الفيد، وجني الأموال الطائلة من تقديم الخدمات، ومضاعفة الإتاوات. وإذا كان من ضمن مهام الجيش الوطني نزع السلاح بعد انتهاء الحرب لحفظ الأمن، فإن المليشيات تقوم بتخزين المزيد منه، وتوزيع الخفيف لإثارة الفوضى وفرض حروب قادمة أو المشاركة فيها.وإذا كان من أبرز مهام الجيش توحيد الصفوف لخدمة الوطن، فأن ابرز مهام المليشيات تكمن في تفريقها لخدمة رموزها وداعميها، وتنفيذ الأجندات المطلوبة منها، والشواهد كثيرة.