حين يعود الوطن، هل سيعرفه أطفالنا؟الكاتب | محمد الجراديحلقة الصحفي أحمد الزرقة مع فهد سلطان في «أثير مسند» لم تأخذ ما تستحقه من الاهتمام. أكثر ما بقي…
حين يعود الوطن، هل سيعرفه أطفالنا؟الكاتب | محمد الجراديحلقة الصحفي أحمد الزرقة مع فهد سلطان في «أثير مسند» لم تأخذ ما تستحقه من الاهتمام. أكثر ما بقي معي منها كلامه عن الأطفال. نحن مشغولون بآخر تقدم للحوثي، وهو، بحسب التفاصيل التي رواها الزرقة، يعمل أيضا مع طفل ما زال يحتاج إلى من يوصله إلى المدرسة.تحدث عن مجلة للأطفال، وقناة تلفزيونية، ومناهج ومخيمات صيفية، ثم مدارس مغلقة يقيم فيها الصغار ويدرسون ملازم الجماعة، ويدخل التدريب العسكري في برنامجهم مع تقدم أعمارهم. تسمع هذا فتفكر في كلمة «هدنة» بطريقة مختلفة. قد تهدأ جبهة، لكن الولد يذهب إلى المدرسة كل صباح.ننتبه إليه حين يظهر حاملا بندقية، فنستغرب صغر وجهه ونسأل كيف وصل إلى هناك. الزرقة يعيدك إلى السنوات التي سبقت الصورة، إلى ما سمعه الولد وقرأه، وإلى الذين ظلوا معه حتى صار مقتنعا بأن عليه أن يذهب. ربما حاول أبوه منعه، وربما ترك البيت خفية. حينها يصعب إقناعه بأن يعود إلى واجباته المدرسية، فقد أمضى وقتا يتعلم أن واجبه في مكان آخر.وتحدث الزرقة عن أطفال من أسر قتلى الجماعة، وعن ربط استمرار المساعدة لبعض الأسر بتقديم مقاتل جديد. بقيت عند هذه النقطة. أب قُتل، وابن يكبر في رعاية الجهة التي أرسلته، ثم يأتي دوره. يكفي أن تفكر في الأم، كيف تطمئن إلى من يطعم أولادها وهي تخشى أن يأخذ واحدا منهم؟في المقابل، ماذا نقدم نحن لطفل يعيش هناك؟ حتى كلامنا عنه يبدأ غالبا بعد تجنيده. نريده أن يفهم الجمهورية والمواطنة، لكننا نحدث بعضنا عنهما، ونتركه لمن يحدثه كل يوم. ثم نستغرب أنه يحفظ كلامهم ولا يعرف كلامنا.والزرقة نفسه ذكر أسرا تحمي أبناءها بصمت، وأخرى غادرت بيوتها خوفا عليهم. هناك آباء يخوضون هذه المعركة كل يوم، من دون منبر ولا راتب منتظم ولا أحد يسأل كيف يدبرون أمورهم. لا يحتاجون منا أن نعيد عليهم خطورة الحوثي، يحتاجون ما يساعدهم على إبقاء أولادهم خارج الجبهة.ومؤخرا، مع فرض الصرخة على المدارس وإدخال مادة باسم «الإرشاد التربوي»، بما تتضمنه من مشاهد الحرب والمقاتلين تحت مسمى «المجاهدين»، تصبح الحصة امتداداً لما يعيشه الطفل خارج المدرسة. حتى الإسم يوجع؛ تقرأ «إرشادا تربويا» فتظن أن أحداً سيساعده على فهم نفسه، والتعامل مع زملائه، وتجاوز خوفه، ثم تجد الحرب تنتظره في الحصة أيضا.ومن أخطر ما تحدث عنه الزرقة إدخال الملازم وأفكار الجماعة في المواد الدراسية، من الصف الأول حتى الجامعة، ثم تخصيص المخيمات الصيفية لدراسة حياة حسين الحوثي وتاريخه وملازمه، مع مسابقات وحوافز تشجع الأطفال على الكتابة والتعبير عنه. تخيلوا طفلا يقضي عامه يسمع هذا الكلام في المدرسة، وحين تأتي الإجازة يجد الكلام نفسه ينتظره في المخيم. يكتب عنه ليحصل على جائزة، ويحفظه ليفرح به معلمه، ثم يعود إلى البيت بما تعلم. هكذا يصل الكلام إلى قرية وعزلة وبيت؛ يدخل الولد حاملا كراسته، ويجلس أبوه ليرى ماذا أخذ اليوم، فيجد حسين الحوثي جالسا معهما.نقول إن الحرب أخذت أحد عشر عاما من أعمارنا، ونتذكر حياتنا قبلها، المدرسة والأصحاب والبيت حين كان الجميع فيه. لكن طفلا كان في الثانية حين سيطرت الجماعة صار اليوم في الثالثة عشرة، بالكاد يتذكر شيئا من ذلك العالم الذي نشتاق إليه. تعلم الكلام والقراءة، وكون صداقاته وأحلامه في هذه السنوات التي نتمنى نحن لو نحذفها من حياتنا.#اليمن