موقع اليمن نت الإخباريأخبار اليمن · آخر الأخبار اليمنية والعربية والدولية

إلى كل نبض حي في تعز الصامدة، إلى الناشطين، والإعلاميين، وكل شريف يؤلمهُ واقع المدينة وينتظر لحظة الخلاص:في زمن السلم يقاس وعي المجتمعات بمدى انفتاحها…

نُشر في ٦ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٦:٣٨ م

إلى كل نبض حي في تعز الصامدة، إلى الناشطين، والإعلاميين، وكل شريف يؤلمهُ واقع المدينة وينتظر لحظة الخلاص:في زمن السلم يقاس وعي المجتمعات بمدى انفتاحها، وشفافية مؤسساتها، وقدرة أبنائها على طرح كل الأسئلة ونيل الإجابات بلا قيود, لكن حين تدور رحى الحرب، وينتقل الوطن إلى معركة وجودية ضد العدو، تتغير القواعد كلياً, تصبح المعلومة طلقة، والكلمة متارساً، ويتحول تدفق المعلومات العشوائي إلى ثغرة يعبرها العدو.فالحقيقة في زمن الحرب ليست مجرد معلومة تنشر، أو خبر يتداول، أو رأي يقال في وسائل التواصل الاجتماعي, لا يجب أن تُبث لكل من هب ودب أو تصبح مباحة للجميع؛ إنها جزء من أدوات المعركة، بل إن الحرب تبيح أحياناً الإفصاح عن روايات تخدم معركة النصر وتضلل الخصم, وقد يكون الإفصاح عنها في توقيت غير مناسب أخطر من إخفائها مؤقتاً, فالحقيقة ليست ملكاً لمن يطالب بها في كل لحظة، بل إن توقيت إعلانها وطريقة التعامل معها قد يكونان من مقتضيات النصر أو أسباب الهزيمة.وفي هذا السياق تنبثق الحكمة البليغة التي تنسب للزعيم الإنجليزي ونستون تشرشل الذي خبر الحرب والسلم:"إن الحقيقة في زمن الحرب ثمينة جداً، وينبغي أن تُحرس بآلاف الأكاذيب".إنها حكمة تختصر جانباً مهماً من طبيعة الحرب، وتؤكد أن التعامل مع المعلومات في زمن الصراع ليس كالتعامل معها في الظروف الطبيعية، وأن المحافظة على أسرار المعركة قد تكون ضرورة لا تقل أهمية عن المحافظة على السلاح والعتاد.وهي دعوة لا تحث على الكذب العبثي، بل تعلمنا أن حماية الحقيقة الكبرى (النصر، وبقاء الدولة، وكرامة الإنسان) تقتضي أحياناً حجب بعض التفاصيل، وإدارتها بوعي، وصنوفاً من التضليل الاستراتيجي للعدو كي لا تقع الحقيقة رهينة في أيدي من لا يستحقها.تعز وبوتقة الظرف الاستثنائي:إن تعز اليوم لا تعيش ظروفاً عادية، بل تخوض معركة مصيرية على جبهات العزة ضد مشروع كهنوتي سلالي لا يعرف الرحمة، في هذا الظرف منطقياً لا يمكن محاكمة رجال الميدان أو تقييم الأداء الميداني بمعايير الاسترخاء والرفاهية السياسية، لقد تبدلت الأولويات، وأصبح الهم الأكبر هو حراسة حق هذه المدينة في البقاء والحرية.أنا أعلم أن الجميع يدرك أن الحرب لا تعني غياب الأخطاء، وأن القيادة، مهما بلغت كفاءتها، قد تقع في أخطاء أو تتخذ قرارات يختلف الناس حولها، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: هل هذا هو التوقيت المناسب لفتح كل الخلافات، ومناقشة كل الأخطاء، وتحويلها إلى معارك إعلامية داخلية؟إن فتح باب المناقشات والصراعات الداخلية على مصراعيه في أثناء الحرب قد يؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية، وإحداث ثغرات في بنية القوة، وإتاحة الفرصة للعدو كي ينفذ من خلالها، وربما تكون هذه الخلافات، إذا أُديرت بطريقة خاطئة، هي السلاح الذي يعجز العدو عن تحقيق النصر بدونه.وهنا لا أقصد أن الأخطاء يجب أن تترك دون مساءلة، أو أن المسؤولية ينبغي أن تعفى منها القيادة، أو أن النقد يجب أن يتوقف بصورة مطلقة، وإنما أقصد أن هناك فرقاً بين النقد المسؤول الذي يحافظ على تماسك الجبهة الداخلية، وبين النقد الذي يتحول إلى أداة لتفكيكها, وهناك فرق بين مساءلة تحفظ حق الدولة والمجتمع، وبين تصفية الحسابات التي تضعف المعركة وتمنح العدو فرصة لا يحتاج إلى بذل جهد كبير للحصول عليها.إن لكل مرحلة أولوياتها، ولكل ظرف مقتضياته، وما يمكن مناقشته ومعالجته في زمن السلم قد يحتاج في زمن الحرب إلى تأجيل أو معالجة مختلفة، دون أن يعني ذلك إسقاط الحق في المساءلة والمحاسبة.وهذه القاعدة ليست مجرد اجتهاد سياسي أو عسكري، بل إن لها أصلاً في ديننا الحنيف، الذي راعى ظروف الحرب وأحكامها، ومنع إقامة الحدود في بعض حالات القتال خشية أن تترتب على ذلك نتائج تضر بالمسلمين أو تقوي العدو عليهم، وهو ما يؤكد أن تقدير المصلحة العامة ومراعاة مقتضيات الحرب من الأمور التي يجب أن تحكم تصرفات القيادة والمجتمع في هذه الظروف.وفي الحالة اليمنية، فإن ما نحتاج إليه اليوم ليس المزيد من الانقسام، ولا المزيد من التشكيك المتبادل، ولا تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتصفية الحسابات، وإنما نحتاج إلى وعي حقيقي بطبيعة المعركة التي نخوضها، وإلى إدراك أن الجبهة الداخلية ليست أقل أهمية من جبهات القتال.فإذا كان الجيش الوطني والمقاومة الشعبية يخوضان معركتهما في الميدان، فإن المجتمع يخوض معركة الصمود والثبات، والإعلام يخوض معركة الوعي، والقيادة تخوض معركة القرار والتقدير، وكل هذه الجبهات مترابطة، وأي خلل في إحداها قد ينعكس على بقية الجبهات.وأختم حديثي بقاعدة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، وهي أن الإرادة أهم من القوة.قد تفرض القوة نصراً سريعاً ومؤقتاً، وقد تحقق تفوقاً عسكرياً في معركة أو أكثر، لكن الإرادة هي التي تصنع النصر الاستراتيجي، وهي التي تمنح الشعوب القدرة على الصمود حين تتراجع الإمكانات، وتشتد الضغوط وتطول الحرب.