فتنة الكهنوت وامتحان التوحيد والحريةمن أشد ابتلاءات التدين التي تكررت في تاريخ الأديان، أن يتحوّل الدين على أيدي من يتوهمون الوصاية عليه من توحيدٍ لله…
فتنة الكهنوت وامتحان التوحيد والحريةمن أشد ابتلاءات التدين التي تكررت في تاريخ الأديان، أن يتحوّل الدين على أيدي من يتوهمون الوصاية عليه من توحيدٍ لله وتحريرٍ للإنسان من عبودية البشر إلى ذريعةٍ للاستعباد واتخاذ أولياء وأسياد من دون الله، وأن يُرفع اسم الله سيفًا على رقاب عباده، ويُتخذ الانتساب إلى رسوله مسوّغًا لامتلاك إرادتهم ومصادرة حريتهم. عندها يغدو الدفاع عن النفس والكرامة امتحانًا للإيمان نفسه، ويجد الإنسان المؤمن أنه مضطر إلى مواجهة من يقتله باسم العقيدة، دفاعًا عن حقه الأصيل في أن يظل عبدًا لله وحده لا شريك له.ولعلّ من أبلغ البلاء وأشدّ ألوان الابتلاء أن يُسلَّط عليك غازٍ صائلٌ باغٍ؛ يأتيك طالبًا حتفك بينما ترجو له النجاة، ومُضمرًا لك الشر وأنت تدعو له بالخير. يساومك هذا الصائل بين طعنة القتل وخلع رداء الكرامة؛ تلك الكرامة التي أودع الله أصلها في تكريم الإنسان، فأسجد ملائكته لآدم. ويريد تجريدك من أمانة التكليف وحرية الاختيار، تلك الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض، وحملها الإنسان ليعبد الله طائعًا مختارًا: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، ويضطلع بمسؤوليته في مقام الاستخلاف.يأتيك هذا الباغي مستبيحًا دمك ومضللًا فكرك، لا بسيف الكفر الصريح، يأتيك باسم الله، وباسم رسوله، وبآيات كتابه! ولا يقف موقف الأنبياء الصادقين في تجريد التوحيد والتواضع للملك العلام، كما جاء على لسان نبيه نوح عليه السلام: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 31]، وكما قال تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50].أما هذا الباغي، فيتقول على الله شططًا، مزدريًا كل موحدٍ ومدعيًا الاصطفاء المطلق، وحيازة أسرار الغيب وكتب الجفر، والولاية التكوينية على رقاب العباد وبلادهم؛ متقمصًا "حقًا إلهيًا" موهومًا يبيح له سلب حريتك وتعبيدك لشخصه، حتى تتخذه وليًا وسيدًا مطاعًا من دون الله، تعالى الله عما يصفون علوًا كبيرًا.فإذا اعتصمت بحبل التوحيد، وأبيت إلا كرامتك وحريتك، رافضًا هذا الشرك المقنّع، لم يترك لك الصائل إلا خيارين: إما سيف القتل، وإما قيد الخضوع لفتنة الاستعباد، و﴿الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]. وحينئذٍ لا تجد مناصًا من الامتثال لأمر ربك في رد العدوان: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].ولعلك تهمس في لحظة ذهول ومكابدة: «أي ربّ، لمَ سلّطت علينا من يسفك دماءنا باسمك، وينتهك حرماتنا تحت راية كتابك ونبيك، ولم تدع لنا خيارًا سوى مدافعة البغي حتى دحره أو الفوز بالشهادة؟». تأمل لوح القدر، تجد الجواب قائمًا في محكم التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20].وإذا كانت هذه الفتنة سنة جارية في صراع الحق والباطل، فإنها تتخذ صورتها الأشد إيلامًا حين يُمتحن شعب بأكمله في صميم هويته وعقيدته. وهذا ما تكشفه التجربة اليمنية، حيث واجه اليمنيون محنة قاسية حين رُفع اسم الدين لتسويغ القهر والاستعلاء، واستُخدمت دعاوى القداسة لتبرير سفك الدماء ومصادرة الحريات. ومع فداحة هذه المحنة، ظلّ التمسك بأصل التوحيد ورفض استعباد البشر باسم الله من معاني المقاومة التي تستحق أن تُروى وتُستعاد؛ فقد صقلت الملمات تجارب اليمنيين، ولم يخلُ تاريخهم من مواقف قاوموا فيها استغلال الدين لإخضاعهم، وتمسكوا بحقهم في الكرامة والحرية.ألم ترَ عبر التاريخ كيف قُتل أنبياء وصديقون على أيدي طوائف تلبّست بلبوس القداسة وتوهمت أنها حامية حمى الله؟ ألم يُطارد المسيح عليه السلام بتهم المروق على أيدي من زعموا أنهم «شعب الله المختار وأبناؤه»؟ وكم من مرة اتخذ المتسلطون من ادعاء القرب من الله، أو وراثة الوحي، أو حماية الدين، ستارًا لممارسة القهر باسم المقدسات!