وقد تناجي ربك: «لماذا لم تكن فتنتي على يد كافر صريح الكفر، أقاتله وتستبين فيه الرايات بلا لبس؟». وقد يغيب عنك، في لحظة المكابدة، أن أشد المحن إيلامًا…
وقد تناجي ربك: «لماذا لم تكن فتنتي على يد كافر صريح الكفر، أقاتله وتستبين فيه الرايات بلا لبس؟». وقد يغيب عنك، في لحظة المكابدة، أن أشد المحن إيلامًا قد تكون تلك التي يلتبس فيها الحق بالباطل، ويُستغل فيها إيمانك لتبرير الاعتداء عليك. عندها يصبح التمييز بين الدين الذي تؤمن به وبين من يتخذه أداة للتسلط امتحانًا قاسيًا للبصيرة والثبات. والموت حتم مقضي على كل نفس، لكن الإنسان يستطيع أن يختار الموقف الذي يقفه حين تُنتهك حرمته ويُعتدى على حقه؛ وأن يرجو من الله أجر الصابرين والمدافعين عن حريتهم وكرامتهم، وأن يتقبل موته، إن قُتل وهو يدفع العدوان عن نفسه، في عداد الشهداء.تخيّل موقفك غدًا بين يدي الله، حين يُسأل الصادقون عن صدقهم، فتقول في صورة تستحضر معنى الشهادة على المظالم:«يا رب، آمنت بك وحدك وبكتابك، ولم أتخذ من دونك ندًا ولا وليًا، وأيقنت بأنه لا شريك لك في ربوبيتك، ولا شريك لنبيك في بلاغه؛ فجاءني من ادّعى نسبًا لنبيك يجعله مسوغًا للتأله والتسلط، فكفّرني واستباح دمي وأرضي، وطالبني أن أتخذ سيدًا ووليًا من دونك، وشريكًا لنبيك في الرسالة، وأنه قرآنٌ ناطقٌ وكتابك صامت لا حجة فيه، فدفعته عن حريتي وعقيدتي دفاع الموحدين حتى قُتلت مقبلًا غير مدبر».فأي فوز أعظم من أن يلقى الإنسان ربّه وقد أبى أن يبيع توحيده وكرامته في سوق الاستعباد؟ وأي حجة أدمغ ليوم ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]، حين لا ينفع المرء نسبه، ولا يغنيه ادعاء الاصطفاء عن عدل الله وحسابه؟وفي ذلك اليوم العظيم، يوم لا يغرب عن علم الله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، تُعرض المظالم وتُكشف الحقائق، وتُفتح أسفار الدماء التي سفكتها الإمامة عبر القرون، وما خلّفته من أيتام وأرامل وخراب وحرمان، وما أصاب اليمنيين من قتل وتشريد وتفجير لبيوت الله ودور القرآن وإحراق للمزارع وتغرير بضحايا الأمية للموت في سبيل المتسيدين. هناك، على مرأى من الأشهاد، يقف الظالم والمظلوم أمام عدل الله الذي لا يضيع عنده حق.ولنتأمل كيف يصوّر القرآن مشهدًا من مشاهد المساءلة الأخروية، يُسأل فيه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام عن غلوّ أتباعه الذين ألّهوه وأمه، فيتبرأ مما نسبوه إليه، ويعلن أن رسالته لم تتجاوز الدعوة إلى عبادة الله وحده. يقول سبحانه:﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 116–117].تأمل هذا المشهد العظيم: نبي اصطفاه الله يعلن براءته من أن يُتخذ إلهًا من دونه، ويردّ جوهر رسالته إلى أصل التوحيد: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117]. فإذا كان المسيح عليه السلام يُسأل عن دعوى التأليه التي نُسبت إليه، فيتبرأ منها ويؤكد أنه لم يأمر إلا بعبادة الله، فكيف بمن يجعل الانتساب إلى النبي مسوغًا للاستعلاء على عباد الله، ويحوّل النسب الموروث إلى امتياز للسيادة، ويطالب الناس بالطاعة المطلقة، ثم يسفك دماءهم باسم الدين؟!ولنتخيّل، على هدي هذا المشهد القرآني، مظلومًا يقف بين يدي الله، عارضًا ما لحق به من ظلم على أيدي من زعموا أنهم ورثة النبي وحماة رسالته، فيقول:«يا نبي الله، هل أمرتهم أن يحكمونا بالقهر والجبروت؟ هل شرعت لهم أن يسفكوا دماءنا، وأن يجعلوا استباحة حرماتنا جهادًا وزلفى ومآثر شهادة؟!».إنها أسئلة تستمد معناها من حقيقة قرآنية فاصلة: لا يملك أحد أن ينسب إلى الأنبياء ما لم يقولوه، أو أن يجعل رسالاتهم غطاءً لاستعباد الناس. فالانتساب إلى النبي لا يمنح أحدًا حصانة من المساءلة، ولا يحوّل البغي إلى حق، ولا يجعل الدم الحرام قربة إلى الله...الكاتب| مجيب الحميديلمتابعة قراءة المقال كاملاً|